جلال الدين السيوطي

90

الأشباه والنظائر في النحو

ومن إعطاء العين حكم المصادر حتى وصفوه بالمصدر أو جرى خبرا عنه قوله تعالى : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : 18 ] أي : مكذوب به ، وقوله : إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [ الملك : 30 ] أي : غائرا ، وقوله : ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً [ البقرة : 260 ] أي : ساعيات ، فسعيا مصدر وقع موقع الحال كقولهم ، قتلته صبرا ، أي : مصبورا ، والمعنى : محبوسا . ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] أي : ابنك عمل في أحد الأقوال وهو أوجهها ، جعله العمل اتساعا لكثرة وقوع العمل غير الصالح منه كقولهم : ما أنت إلّا نوم ، وما زيد إلّا أكل وشرب ، وإنما أنت دخول وخروج ، ومنه قول الخنساء : [ البسيط ] « 40 » - [ ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ] * فإنّما هي إقبال وإدبار فهذا كلّه من تنزيل الأعيان منزلة المصادر . فأما تنزيل المصادر منزلة الأعيان فكقولهم : موت مائت ، وشيب شائب ، وشعر شاعر ، انتهى . الأفعال نكرات لأنها موضوعه للخبر ، وحقيقة الخبر أن يكون نكرة لأنه الجزء المستفاد ، ولو كان الفعل معرفة لم يكن فيه للمخاطب فائدة ؛ لأن حدّ الكلام أن تبتدئ بالاسم الذي يعرفه المخاطب كما تعرفه أنت ثم تأتي بالخبر الذي لا يعلمه ليستفيده ، ذكر ذلك ابن يعيش في ( شرح المفصّل ) « 1 » . ومن فروعه : أن الإضافة إلى الأفعال لا تصحّ ، قال « 2 » ابن يعيش : لأن الإضافة ينبغي بها تعريف المضاف وإخراجه من إبهام إلى تخصيص على حسب خصوص المضاف إليه في نفسه ، والأفعال لا تكون إلا نكرات ، ولا يكون شيء منها أخصّ من شيء فامتنعت الإضافة إليها لعدم جدواها ، إلا أنهم قد أضافوا أسماء الزمان إلى

--> ( 40 ) - الشاهد للخنساء في ديوانها ( ص 383 ) ، وخزانة الأدب ( 1 / 431 ) ، وشرح أبيات سيبويه ( 1 / 282 ) ، والكتاب ( 1 / 400 ) ، والشعر والشعراء ( 1 / 354 ) ، لسان العرب ( رهط ) و ( قبل ) و ( سوا ) ، والمقتضب ( 4 / 305 ) ، والمنصف ( 1 / 197 ) ، وبلا نسبة في المفصّل ( 1 / 115 ) ، والمحتسب ( 2 / 43 ) . ( 1 ) شرح المفصّل ( 1 / 24 ) . ( 2 ) انظر شرح المفصّل ( 3 / 16 ) .